مجمع البحوث الاسلامية

893

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

على خلافه . وعن ابن خالويه : « وقد قيل : جمل وجمالة ، كما قال : ( جمالة صفر ) . وقيل : يجمع جمل جمالا ، وجمال جمالة ، وجمالة جمالات ، فجمالات جمع جمع الجمع ! » . وأمّا التّفسير فأكثرهم قالوا : الجمالة الصّفر : هي الإبل السّود ، فإنّ سوادها مشرب بالصّفرة ، وهي الأينق من الإبل وأحسنها ، وبعضهم فسّروها بقطع النّحاس - وهو مرويّ عن عليّ عليه السّلام - أي : هو بقلوس - أي حبال الجسور اللّاتي توثق بها السّفن في المراسي ، لأنّها تشبه في عظمها أوساط الرّجال . وللوقوف على معناها ينبغي ملاحظة ما قبلها : انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ * لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّها تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ معناها عند الطّبرسيّ أنّ اللّه وعد المكذّبين وأمرهم بأن ينطلقوا إلى ظلّ هو دخان النّار ذي ثلاث شعب ، تحيط المكذّبين من فوقهم وعن يمينهم وعن شمالهم كالسّرادق ، ظلّ ليس بظليل يسترهم عن حرّ النّار ، ويغنيهم عن لهبها ، ظلّ ترمي بشرر ، أي ما يتطاير من النّار من قطع تشبه القصر في كبرها ، والجمال السّود الصّفر في كبرها ولونها - والعرب تشبه الشّيء الكبير بالقصر وبالإبل السّود - وعليه فجمالة أو جمالات صفر هي جماعة الإبل . وتفسيره بحبال السّفن يرجع إلى الإبل السّود أيضا ، لأنّه تشبيه بما شبّه بها . وقد سبق منّا أنّ كثيرا ممّا جاء في وصف نعيم الجنّة أو نقم النّار تمثيل لا يعلم واقعها إلّا اللّه . 3 - في ( 10 ) حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ - وهي وعيد للمكذّبين أيضا - اختلاف قراءة وتفسيرا . أمّا القراءة ف ( الجمل ) - وقد أجمعت عليها كما صرّح به الطّبريّ ، و ( الجمّل ) مشدّدا عن ابن عبّاس وعكرمة وسعيد بن جبير - وقد تردّد في نقلها الطّبريّ - و ( الجمل ) مخفّفا كالصّرد والجعل ، وهي الّتي نسبها بعض أهل العربيّة إلى ابن عبّاس ومن تبعه بدل ( الجمّل ) . وأمّا التّفسير فب ( الجمل ) وهو الذّكر من الإبل الّذي لا يدخل إلّا من باب واسع ، وبالحبال الضّخام اللّاتي توثق بها السّفن ، وفضّل هذا على الأوّل بأنّ الحبال أنسب هنا مثلا للاستحالة ، لأنّها المناسب لسمّ الخياط . وبهذا فضّلت القراءة الثّانية على الأولى . فلو اخترنا القراءة الجمع عليها تعيّن المعنى الأوّل وإلّا فالثّاني أولى . 4 - في ( 11 ) أشكل المشركون على القرآن أنّه لولا نزّل جملة واحدة بل نزّل نجوما ، فعدّوه نقصا فيه ، لأنّهم سمعوا أهل الكتاب أنّ كتبهم نزلت جملة مع أنّهم لم ينظروا فيها ولا تلوها قطّ . وقد تصدّى القرآن لسرّ نزول القرآن نجوما مرّات ، وفيه بحث طويل ، لاحظ قرآن في « ق ر ء » . وليس المراد بقولهم : ( جملة واحدة ) - كما هو واضح - ما اصطلح عليه النّحويّون في إطلاق « الجملة » على كلام مركّب من كلمات ، بل المراد نزول القرآن كلّه مرّة واحدة كتابا مدروسا . وكأنّهم أرادوا به التّعريض به على النّبيّ عليه السّلام ، بأنّه يتعلّم القرآن من غيره نجوما درسا درسا ، ثمّ يقرؤها للنّاس نجوما ، ولو كان من عند اللّه لعلّمه اللّه جملة واحدة ، وآتاه كتابا ، كما آتى الأنبياء من قبله .